
من ديوان ذيب الشلايا
في أواخر الشهر الأوَّل من عمري ، وضعتُ مكاني في الملفَّة نصفَ لبنة ، وانسحبتُ أراقب أمِّي ، هل ستكتشف ذلك ؟ لكنَّ أمّي من شدّةِ التعب لم تستيقظ ، لا بل بتلقائيةٍ فكَّت أزرار صدرها ووضعت الثدي في نصف اللبنة الذي ما يزال ليِّناً لحداثةِ صنعهِ ، وبين غبطتي لنجاح خطتي وخوفي من فشلها ، دنوتُ من نصف اللبنة الذي دسستُهُ مكاني في الملفَّة لأجد أن نصفَ ثدي أمّي غارقٌ في نصف اللبنة الطريّ والحليب لغزارتهِ يفيض من جانبيه العلويّين ، وكأن الثدي فتح فماً منحنياً في نصف اللبنة وراح يرضعه أو أنَّ نصف اللبنة اللدن انساح طينهُ بحرارة الثدي ودفق الحليب .اطمأننتُ لهذه الحالة الحميميّة بين أمِّي النائمة ونصف اللبنة ومضيتُ إلى الحوش وضعتُ الحبلَ والفأسَ على ظهر الحمارة وخرجتُ لأحتطب .* * *في البريّة كانت شجيرات الشيح ترجوني بأن لا أهوي على جذورها بفأسي ، وشجيرات شنان السوح يقلنَ لي : اقتطع منّا ما شئت علَّنا نشتمّ رائحة الخبز من خلال تنّوركم .مسكينةٌ حمارتُنا لقد بالت على فخذيها لثقلِ ما حمَّلْتُها وعند أوَّل مخاضةٍ غسلت ساقيها بصابون القاق ، حتى شعرتُ أنَّها شكرتني بمشاعر أصيلة (( لا أحب أن تتخلَّى الحمارة عن طبيعتها وتكلِّمني كما تكلِّمني جارتنا )) فسأقول إنَّها شكرتني بصمت .أمَّا الشجيراتُ وكيف حادثنني فهذه من أسرار النطق ، إذْ قبل أنْ يصبح الإنسان ناطقاً ، كانت لغتُه الفطريّةُ الصمتَ وبهذه اللغة كان يحكي مع كائنات الوجود الصامتة مثله .وأنا ؟ . . كأنَّكم نسيتم . . ألم أخبركم أن عمري لم يتجاوز الشهرَ الأوَّل بعد عدتُ إلى دارنا _ وكانت الشمسُ قد بدأتْ تكثح الليلَ برمادها المتوهج _ وعند العتبةِ رأيتُ قواماً طينيّاً خارجاً يشبه نصف اللبنة ولكن يكاد يلامسُ نجف الباب لطوله . وكنتُ متوجِّهاً إلى حيثُ ملفـَّتي التي وجدتها قد تمزَّقت من كلِّ أطرافهابجانب أمِّي التي ما تزال نائمة وآثار طين رطب يغطِّي نصفَ ثديها .وكم احتقرتُ غبائي الإنسانيّ .لقد صار نصف اللبنة رجلاً بقوام جدار من ليلةٍ واحدة .وأنا ما زلتُ في الشهر الأوَّلِ من عمري ، وسأبقى ملتصقاً بثديٍ جافّ ،ثديٍ خانَهُ فمي ،إلى أن يُوضعَ نصفُ لبنةٍ مغروزاً في الجهةِ الغربيّة من التراب الملموم ،فوق رأسي تماماً ، حينما لا يكون بمقدوري تمزيق ملفَّتي البيضاء ؛البيضاء بلون الحليب ؛الحليب الذي استأثرَ بهِ نصفُ اللبنة بنصف ليلة فقط .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق