الاثنين، 5 أكتوبر 2009

أدمنت إنسانيتي



أدمنت إنسانيتي
1
بالأمس سمعي عاشرَ الهمسَ
وعينايَ الإشارةَ
والأصابعُ رطْبةٌ من لمسها .
الشمُّ يركضُ داخلاً في ذاته
لا كي يعتِّقَ نفْسَه . . .
بل كي يصيرَ الحبسَ
أو قارورةً مختومةً مما جناه .
الماءُ رائحةُ الوجود
لكم عرفتُ بأنّ ماءً سوف يُزهرُ
والترابَ يصيرُ تفّاحَ الشفاه .
الخيطُ أعرفُ أين كانْ
فلكلِّ ما في الجسمِ طابعُ ريحةٍ
وأنا الذي أدمنتُ إنسانيتي بنسوغها .
للعنْقِ رائحةُ الغيوم
كأنّها للتوّ غادرتِ الملوحةَ مورِقه .
و ثنيّةُ الكتفين فوحُ الشمعةِ المتحرِّقه .
للضلع رائحةُ التفتّتِ في الحجر .
ولكم عرفتُ
أهذه عذراءُ
تسبحُ في مياه البحر
أمْ هيَ ثيّبٌ
فلكلِّ رائحةٍ دُوَارْ
وكذاك وجهُ الماء ينبئُ
عن دوائرَ
كلما اتسعتْ ففي الدوران رائحةُ السُّرر .
* * *
2
لا تقترف ذنباً يُسمّى في حياتك نعمةَ النسيان
إن مال عمرُكَ للأفول .
هذي الحواس تظلُّ موقَدةً
إذا انطفأ الزمان
فالأرض كانت قطعةً في الشمس وانفصلت
وبرّدَ قشرَها دورانُها .
ما زال في أحشائها للشمس ذاكرةٌ
من الغليان
هذي حواسٌ لا تموت
فمرةً نبع يغورُ ومرّة نهرٌ يفورُ
ومرةً من تحت ماء حواسها يتفجّر البركان
الموتُ يسلبُ قشرَنا
لكنّ ذاكرة الحواس
تظلُّ شاهدةً بأنّا لا نموتُ
وإنّما صرنا بلا عنوان .
* * *
حتّى النهايةِ باقياً بمشاعري
وأسير فيها
فالحياةُ عقوبتي
وأنا الفراشةُ لا دليل بأنني سأطير
لم يوجد على ناري الدليل .
………………….
فتّحتُ جفني جاهداً وملأتُه ضوء العماء
ذرفتُهُ
وبكيتُ
منذ الماء . .
منذ الكون . .
منذ الطينِ . .
منذُ . . . . . .
كأنما أبكي على أبدِ الفراغِ
بكلَّ جيل .
* * *


الزبداني
12-9-2009

وشففْتُ لي . . . .


ثديان هذا الكون
ثديٌ في السماءِ
رضعتُه قبل الوجودِ .
وثَـمَّ ثديٌ آخرٌ في صدر امرأةٍ
سيبقيني قصيدته التي لم ترتوِ
طفلاً بل زمنٍ
ولا ذكرى سوى أحلامه :
الماء يسري جدولاً بمشاعري ،
وبأعمق الأعماق
اسمُكِ
أو خيالُكِ
أو كلامٌ
أو هي الأضغاث من عشب الكتابةِ
حيث تغتسلين بين ضفاف روحي
في العراءْ .
وشففتُ لي حتى أراكِ
وصدّقتْ لغةُ المنامِ بأنَّ جسمَكِ عارياً . .
ثدياً يمدُّ طفولتي . .
وغداً لذكرى سوف تأتي
قبل موتي . .
بعد موتي . .
لا يهمُّ
فإنَّ روحي سوف تحياها وتخلدُ
محضَ رؤيا
والجنونُ يقول : في الرؤيا خلودي .
***
لو كنتِ جمراً من غضىً لقبضتُه
وشككتُ في حسّي
بأنَّ دماً بجسمي . .
هل تقبضين على دمي وكما رأيتُك في المنامِ :
ينزُّ من قلبي اللهيبُ
وكانتا شفتاكِ في حلُمي وريدي .
***
هل للقصيدة أن تكون شفاعةً ؟
………………………..
الشمسُ تُشرقُ من سمائكِ
هل خليجُ البحر أحمر ؟
أم ضياءُ النومِ في عينيك أحمر ؟
أم ستارةُ ؟
حيثُ تنعكسُ الدماءُ على الستارةِ ،
غاصتا عينايَ في ظلِّ الزجاجِ
وصار وقتُ الشمس نافذةً
وصمتاً من حديدِ .
***
هل للقصيدةِ أن تكونَ شفاعةً ؟
………………………….
الشمسُ تَغرُبُ عند بيتِكِ
هل أموتُ كما تغيبُ
ومن سينشلني غداً .
من ألف نافذةٍ سيبلعني المحيطُ
ولا يلوّحُ للغريقِ سوى يدِ اليأسِ الوحيدِ .
***
بدَّدْتُ أشواقي على تابوتِ وهمي
بين أمواج النساء من المحيطِ إلى المحيط
زرعتُ أشعاري بذوراً في القلوبِ
فأنبتتْ لغةَ السنابلِ
قال شعري :
صرتُ معشوقاً . .
وقلتُ أنا :
خواءٌ في الحصيدِ .
***
لم يبقَ لي إلاّكِ حيثُ هشيمُ روحي في الغناءْ .
………………………….
للذكرياتِ قصائدي
وأنا أحاولُ أنْ أكون المستحيلَ
وأجعلَ الذكرى لآتٍ لم أعشْـهُ
لعلّها تفّاحةٌ
لكِ نصفها . . . . . . .
لكِ نصفها الثاني . . . . . .
ولي عريُ الشتاء بكلِّ عودِ .
***
الزبداني
4-7-2009

ليلة الحجر



عينُ الكتابة لا ضفاف لها
وأنا سأسبح فوق رمل الكون
في بحر سراب
النار موجي
والشواطئ دون عاطفة
وأمضي في اليباب
الله يصرخ بي كطفل عدْ إلى بحري
ولكن ليس هذا البحر إلا للغياب
عيناي أبحرتا سفينةَ أدمعٍ
وشراعُها ليلٌ
وأمضي في السكون إلى التراب
ربّان قافيتي يفكّ مراسي الإقلاع
سافرْ
هذه الأملاح في جوفي
ولي طعمٌ تأجّجَ في العذاب
لو أن إبحاري بيابسة الحياة مدامعا
لجعلت سيل الماء تنّورا يفوّر في كتاب
…………………………..
أبكي وأمسح بالصخور بكاء روحي
والجبال تئنُّ من تحت الحجارة
أيّ رُجْمٍ كنتُ في جنباته حجرا صغيرا ؟
كيف تجرفني الغيوم إلى شعابٍ
ليس من تلك الشعاب ؟
حجرا جُرفتُ
وها أنا في جذع رُجْمٍ آخر
ويغور سيلُ الماء
لكني غريبْ
وأظلُّ أرفعُ ما تبقى من عيوني
علّني سأعود في تيار عمر آخرٍ
لجذوع رُجْمي
حيث كنت وحيث كان الصخر
من قلبي يمصُّ الاغتراب
يا لي لكم أبكيت تحتي الماءْ
وبكى العكارُ وكلُّ ما يخفي الرؤى
أأنا عكارُ الماء يا ليلى ؟
ورحم الطين يخفيني بأحشاء السحاب
ما للغيوم تظلُّ في لغتي
فإن برقتْ
تُقَشْعِرُهَا
وإن رعدتْ
كلفظ في شفاهيَ . . . ( ما الجواب )
هل تعرفين الكون حين تيتمتْ روحي ؟
وهلاّ كنتِ حيث جُرِفتُ من علياء جرفي ؟
فإذن أنا ما بين طوف الماء والتنّور
والموت الذي ما زال يبحر في العباب .
حجرٌ أنا
والرُجْمُ ينسى
والجبالُ نستْ بأني كنتُ أُسندُ ميلها كي لا تميد . .
فلعلَّ أشجاراً ستذكرُ وهي تشربُ
أنها شربتْ صفا حجرٍ مذابْ .
_____________


    ::: الرجم كوم حجارة متجمع بعضه إلى بعض :::

الزبداني
8-5-2009

الأحد، 27 سبتمبر 2009

"هدهدات" بس من يهدهد من ؟؟؟



غنِّ لي
أغنيةً لا أستنفرُ لها البعيد والقريب
لأفهمها .
أغنيةً لا تحتها نور يحتاج للكشف
ولا ضوء فوقها يضيء زجاجتَه
وزيتُه في الظلام .
قصيدةً أقرؤها بشفتيّ كما لو كنت أسمعها ،
أراها بعينيّ كما أرى كأس ماء
إن عطشتُ شربتُه
وإن شئتُ بلّلت وجهي
أو أسكبه على حجر وأتابع كيف
ينشّي سطحَها لدقائق
وتعود إلى لونها دون تأثّر .
لا أريد شعرا لعقلي
فالمدارس ستتخمه ،
أريد شعرا لقلبي
كما لو ضحكتْ لي طفلةٌ
ولعواطفي كما لو رأيت غائبا
في أحضان أمّه .
شعرا في الحب الذي لا هجران فيه
لا بكاء ولا عذابات ،
غنائياً كشعر شاعرٍ كتبه لترقص عليه
حبيبته .
دعني من الحكمة فالفلسفة تكفي ،
دعني من الخيال فالوحدة في العتَمَة
آنس من نار الشتاء .
أعماقُكَ غامضةٌ فلا تتعبني بأسرارها .
أعماقي بسيطةٌ كدمية .
إن رأيتُ البحرَ لا أسبح في أعماقه
وإن مررتُ بنهرٍ اكتفي بصوت جريانه
وإن مررتُ ببئر لا تَطالُ ماءها يدي
أقول عنها جافّة .
وإن رأيتُ أزهاراً على شجرةٍ سامقة
لا أجهد عينيّ بالنظر إليها ،
أنحني إلى التراب وأجمع ما تساقط تحتها
فإنْ كنَّ ما زلن محتفظاتٍ ولو بالقليل من روائحهن
أحملهن إلى سريري ،
وإن كان التراب غلب عليهن برائحته
أحمل حفنة من التراب
أشمّها وأقول :
هي ذي كانت زهورا من قبل
وستكون سامقة لا تطال غدا .
وعندما أضحك من طفولة أفكاري
أتذكّر أمّي وأقول :
أحبّها فقط
لا لأفكّر كيف حملتني ولا كيف ولدتني . .
لا بحليبها ولا بمعاناتها
بل لأني أحبها كما أحب الشعر
ببساطة
مثلما تحضنني بين ساعة
وأخرى دون أن أفارقها .
هكذا غنِّ. . . يا جَـدّ
غنِّ لي كما تقبّلني أمّي وأنا نائم
لأحلمَ _ إنْ حلمتُ _ بقُبَلِها
بعد أن تنام .
* * *


2
_ سأغنّي لكَ اليوم أغنية جديدة
تهيّأ يا حبيبي
كن معي قليلا
لن أطيلَ
لن أثقلَ عليك ببحرها الشعريّ
ولا بإيقاع صوتٍ مزعج
لا أشغلُك بمعانيها
ففي كل كلمة معنى واحد فحسب
وإن شئت فدع المعنى نهائيا
اسمعها ككلمة
مثلا :
كلمة (جواد) يعني أنت
وكلمة (جَدّ)
يعني شخص
لا تفنِ مالك وعمرك لتحمل معنى اسمك
كالذي أفناهما ليصير (جَدّ)
لا تشغل بالك في المعاني
هي لا تثبت على حال
تتغيّر مع الزمن
ما أن تصل إليها حتى يأتي من يغيّرها
فتُضيعَ من عمرك الكثير وأنت تجهد
لتقبض عليها
وتجدَ أنها غير ما سعيتَ إليه .
تمسّك بأبسط الكلمات
التي لا يختلف عليها الناس
ككلمة ماما أو بابا
دون أن تفكّر بمعناهما
وعندما يصير لك حفيد
علّمه أن يكون كذلك
فما عادت الكلمات بمعانيها التي كانت
والآن سأغنّي لك يا جواد
كما حدّثتك
أغنيةً دون حزن
دون ثقلٍ
خفيفةً خفيفة
أخفّ من الفرح
وأبسط من بسمتك
لا تزعجْ سمْعَ أحد
لأننا سنغنّيها بشفاهنا دون صوت
وبأعيينا دون نشيش دمع
فغنِّ معي . . . غنِّ يا (جواد):
……………………
………………….
…………………
………………..
……………….
………………
……………..
…………….
……………
…………..
………….
…………
………..
……….
………
_ هل غفوتَ يا (جَـدّ) ؟
أتعبك الغناء ؟
وأنت الذي لم تعتد عليه صامتاً .
……..
…….
……
…..
….

..
.


* * *


3
جوادُ كان سارح العينين في السرير
وقطّةٌ شقراءُ في غرفتِهِ
شقراءُ مثلُ أمِّه
ماءت له لم ينتبهْ
رمتْ عليه ذيلَها
أحسَّ كفَّ أمِّهِ تهدهدُهْ
تبسّمتْ شفاهُهُ
أجال حول رأسِه
رأى حراكَ ذيلِها
فظنَّ أن أمَّه تدغدغُهْ
بخصلةٍ من شعرهِا
فماءتِ القطّة صوتاً ناعماً
ما شكّ أنَّ أمَّه تلاعبُه
فقلّد المواءَ مثل صوتِها
وردّت القطّةُ بالمُواء
فماءَ أيضا مثلَها
وأُشعلَ الحنين في قطّتنا الشقراء
وردّتِ المُواءْ
وردَّدَ المُواءْ
لساعةٍ قطّية أو ساعةٍ طفليةٍ
وعندما أُخرجتِ القطةُ من غرفته
أراد أن يبكيَ لكنْ خانه البكاء
فهدهدته أمُّه بصوتها
…………………..
أدار عنها وجهه وعاود المواء .
………………….


* * *


4
انظر يا جواد
لا أحمل ساعة
هل أحمل الذي يسلب
مني دقائق
وساعات
وأياما
والعمر كله
الوقت وحش جائع
يأكلني بخفاء
لا أريد أن أراه
ولا أن أشعر به ينهشني .


عندما بُشِّرتُ بولادتك
كنتُ
( كمعصوب العينين ورُفِعتْ الضمادات عنهما )
لأراك .
عيناك تدوران كعقارب ساعة
والوقتُ منهما
يرفع القناع عن وجهه
يعبرني
يشطرني ثلمين
كسِكّة المحراث
ثلم ما قبل ولادتك
وثلم ما بعدها .
أنا أحبّك يا جواد
لا لتسألني عيناك كم بقي لديك من الوقت ؟
بل لتصيرا فرجارا يغلق عليّ دائرة الزمن
مهما صرّ الوقتُ
لا يستطيع فتح قفلها
وأعود إليك
إليك
إلى الوراء .
* * *


5
هل ستحب يا جواد
الفتيات . .
وما بعد
النساء ؟
هل ستتزوج وتنجب ؟
هل ستجمع مالا وتسرف بتبذيره ؟
هل ستضيّع كلّ شيء
المالَ والنساءَ والزوجة والأولاد ؟
سأحكي لك يا بني :
كلّها دوائر لا مغزى لها
إن صرت شاعرا
لا تدع الندم يعذّبك
فالشاعر لا يربح إلا إذا خسر كل الأشياء .
***
افترض حبلا ممدودا بين الأرض والسماء
علّق ذكرياتك عليه حتى تجف
وإذا نسيت تماما تماما
أغمض عينيك
وافتح هاتفك
دقّ رقما لا تحفظه
إنْ ردّ عليك صوت
ممتلئ بالذكريات
ابتلع مرارة الخطأ
وأدر رقما آخر
ورقما
ورقما
ورقما
فلا بد أن يجيبك صوتٌ بعيد عن الشبهة . .
للضرورة الشعرية تخيّله صوت امرأة .
افتح صفحة في حاسوبك الجديد
واكتب له هذه القصيدة :
موس ذو حدّين في الحلق
الذاكرة
والنسيان .
* * *


6
وحدي أيضا
لكنّي لا أهوّم تهويما
الحزن يصبح كذبا إن بكيناه بالمجاز
كل معاناة تصير شجرة وارفة
إن سقيناها بالماء أو بالدموع
من يعتزل ويستوحش من عزلته
ليكسرها
ما أكثر مجالس اللهو
والفارغين للتفاهات .
أشتاق لكل من ملأن قلبي ذات زمن
أين هن الآن ؟
هل يشتقن إليّ ؟
أم منشغلات بالزوج والأبناء ؟
ألستُ زوجا ولي مثلهن !
ما الذي يجعلني وحيدا
كلما دخل ليلٌ أستقبله بالبكاء .
* * *


7
آه يا جَـدّ
أنت أيضا بعيدٌ
لأنّك لا تعرف القراءة أكتبُ لك
لأنك لا تميز الشعر من النار
الدمع من الحليب
سأمزج لك هذه الكلمات بزجاجتك
وأُرضِعُك
أمّك لن ترضى بذلك
لن أدعها تراني . . بالطبع
لكن يا حبيبي أين منّي أمّك
هي غائبة مثل زجاجة حليبك عنّي
وأنت أيضا اخترت زجاجتك الحاضرة
عن جـدّ غائب .
* * *


8
افترضت أنّك اليوم ستدخل المدرسة
ومعك قلم رصاص
ومبراة
وممحاة
قلم الرصاص يا بنيّ
كم كتبتُ به من أيامٍ في دفاتر الزمن
والمبراة ماتت شفرتها
ممحاتُك هذه تغريني هاتها
أمامك سنوات طويلة لتتعلّم المحو
_ ماذا ستمحو يا جَـدّ
_ سأمحو أول ما سأمحو
من ذاكرتي
الزوج
والأب
انظر للكلمتين يا بنيّ
فجوة مليئة بالقيح
وخلايا متيبّسة كجلدٍ جرب
لا تكفي ممحاة بل أحتاج إلى مجحفة
وهذه
وتلك
وغيرهما
سأ َجْحفُ وأمحو حتى تعود الذاكرة
إلى مرحلة ما قبل الجنين
_ ( يسألني ) وكيف ستكون بعد ذلك ؟
_ ( أجيبه ) أعود إلى مرحلة النقاء أو العماء إن شئت
_ ولكن كيف ستعرفني آنئذ ؟
أعدت له الممحاة وبكيت
بكيت حتى انمحى افتراضي
أنه اليوم سيدخل المدرسة .
* * *


الزبداني 14 /09/2009

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

يوميات ربيع 2009




يوميات ربيع 2009
-1-
منذ قليل كنت لا أرى الربيع
لا أرى الشمس
ليلة البارحة لم أرَ القمر ولا النجوم
حتى النساء الجميلات لم يدخلن المحل
أو ربما دخلن ولم أرهن
السماء في الغروب أيضا نسيتها
شعرت أنني وحدي في هذا الكون
بلا سمع ولا بصر ولاحاسة للشم
يا إلهي حتى الصورة
هل أحد أزاحها من قلبي
هل أنا مدفون في قبر
أم مرمي بين كثبان رمال
أم عماء كوني سادرٌ بي
أم أنني غير موجود أصلا .


الآن قطعتُ الطريق
فتحتُ علبة سجائري
ولعتُ سيجارة
شفطتُ منها
شفطتُ حتى آلمني رأسي
وعبأتُ دخانها كله في صدري
انقشعتْ كلُّ تلك الغشاوات
الخدرُ عن أحاسيسي
عادت الحياة تضج . .
ها هو الربيع
تلك هي السماء
ذاك هو الأخضر الغض على الأغصان
النساء الجميلات كعادتهن
منهن من اشترت واقيا شمسيا . .
قلبي ينبض من جديد بوجع المسمار الذي دُقّ فيه
الصورة من لحم ودم
تميس بين نبضي والشعور
تمضغ لبانا . .
سويداء قلبي لا ألم يمضغها
حتى رأسي الذي كان يقرعه الصداع
كجرس الأعياد
شعرت أن يداً
تلمسه مباركة ما فيه من قلق
لست أدري هل أصابع من الغيب
أم عطرها يفوح حول رأسي
كنور يبحث عن فراشة .
***


-2-
سأعتب عتابا مرّا على كل عضو في جسدي
بدلا من أعتب على الدنيا
فهي لا تحمل أحاسيس مرهفة
لتبكي أثناء العتاب
منذ أيام مرت بي رؤى لا أعرفها
لم آلفها من قبل
تنظر إلي بحزن يائسة :
_ أعطيتك ما يحلم به أي شاعر
ولكنك حين أردتني بحواسك
ولم تجدني
انصرفت عني وأنت تلعن حظك
وتبكي بمرارة ثكلى
ما الذي يجعلك تطلق الخيوط التي بيدك
في الزوبعة ؟
وتبحث عن خيوط موجودة في أياد تملكها .
وأنت تشتكي فراغ يدك من الخيوط التي أفلتّها
أليس من المجدي لك أن تبكي إذا غلبك البكاء
على خيوط كانت بيدك
بدلا من أن تبكي على ما تتوهمه خيوطا
على ما تتوهمه أياد تملك تلك الخيوط ؟ ؟
_ ( أجبت ) وأنا أمضغ عقب سيجارة في شفتيّ
ظننت أن العالم كله يبكي
إذا بكى شاعر
ولا ينام الليل إن سهرت عيناه .
***
-3-
مررتُ بعين ماء
تسيل من بين صخور جبل وعر
تسيل منسابة انسيابا فوضويا
على حواف الصخر نزولا
صخرة فصخرة الى شبه شُعبٍ
من الحجارة الصم
آخر مسارها كانت الشمس بحرارتها
وصراع بين الجفاف وبين البلل
خيوطُ بخار تصّاعد بحزنٍ
وآخرُ ما تبقّى من دخان سجائري في الفضاء .
****


-4-
ما الحب يا ألله
خيالٌ يمر بنوم ؟
أم النوم ذاته خيال عند من لا يعرف سوى الأرق ؟
. . . . . . . . .
مررت بعينيّ وقد ملّتا من كثرة ما أتعبتهما بالسهر
أو مما وعدتهما بأن النوم
قد يكون على بعد ساعة من الأرق
رأيتهما بلا أجفان تحدقان
ببياض يشبه ما أنا فيه
أين ذهب سوادهما
وما يحمله ذلك السواد في البؤبؤ
تلك الصور أحيانا أشعر كأنها
ليست من حياة يعيشها جسدي هذا
بل من ذاكرة أجساد لا أذكر ملامحها
إذن
عيناي الآن تستريحان مني بعيدتين
وأنا اقتربت منهما
في ظني أنهما ستنكراني
عندما شعرتا أنني على وشك البكاء
عادتا إلي قائلتين :
لا يليق بنا أن ندعك تبكي بدون عينين
رغم شكري لهما
من الصعب جدا
أن أصلهما بدمعاتي اللواتي جفت من حيرتي
أفكر هل ثمت حب بهذا الكون
أم أن الدموع أيضا كالحب محض خيال ؟.
***


-5-
اليوم قلت سأقوم بما يقوم به السحرة
حملت رأسي من بين أكتافي
وضعته على الطاولة أمامي
بعد أن أغلقتُ الأبواب وأرخيت الستائر
اصطنعتُ ليلا يشبه أعماقي
فككتُ طاسة رأسي
غرستُ أصابعي في تجويف المخ
أخرجته
وضعته أمامي على غلاف مجلد كبير ورثته عن جدي
صرت أفججه
أفرده قطعة قطعة
خلية خلية
حتى صار أمامي مبحثرا كحفنة رمل مبللة
أو ككبّة من خيطان حرير خرجتْ منها فراشتها
قبل أن يدركها صاحبها
أنا غير آبه بما يتقطع من تلك الشعيرات الدقيقة
ولا من لمعان زلال الماء المخّي
لستُ طبيبا يقوم بعمل جراحي
مجرد شاعر يكتب قصيدة بشعة
تلك الخلايا الملعونة
كانت تبص كأعين الوحوش في الظلام
ألمسها بأناملي فتنطفئ
أبعد أناملي عنها يعود بصيصها يسخر مني
كل ذلك العمل البشع الذي أقوم به
هدفه أن أجد امرأة أو نساء في ذاكرتي
لأسحبهن كما تسحب جميلة
زوائد شعر حواجبها أمام المرآة
لعل الملقط غير محكم
ما أن أمسك به شعرة طيف
أطبقه
أسحب . .
أنظر إليه
لا أجد بين شفرتيه أي شيء
عبثا ما أقوم به
يبدو أن ذاكرتي قد خلت من كل . . . .
أصبت بجنون الفشل
ضربت بقبضتي على مخّي المنفرط
هممت أن أفتح الأبواب والنوافذ
ليتيبس كما يتيبس الرمل
غير نادم على مخ يُخضع صاحبه
على ذاكرة تتآمر كامرأة خائنة على صاحبها
لنفسي قلت : هل أعيد مخّي المنفرط
إلى جمجمتي
أغلق طاسة رأسي
كما كانت
غير نادم على فعلي الجنوني
تذكرت أن ما كنت أبحث عنه
ليس في هذا الرأس التعيس
بل في مكان آخر
لتهنأ كل نساء سكن في ذاكرة المضغة اللحمية
لأنها اعتادت أن تنبض في الثانية كمّا من النبضات
موزعة بين مئات النساء
كل منهن فرضت نفسها كذكرى فحسب .
***


-6-
كأنه خيط دقيق لا يرى
وإبرة تسحبه
تنغرز في شعوري
لتخيط لي زهرة
نبتت عند بدء الربيع
في بصري
نمت كوردة النيلوفر
بتلاتها في عينيّ
ساقها نزل إلى أعماقي ليدق
جذورا تدوم كما يدوم
دفء في القلوب .
* * *


-7-
اليوم رأيتها كقطعة من خزف
اللون الزهري كماء نوفرة
يغطي وجهها وصفحات آنيتها الخزفية
هل هي خزف ؟ معاذ الله . .
إذا كانت كذلك فهي خزف إلهيّ غض
يشبه أية وردة مضمّخة بالماء .
ذهبتُ بخاطري إلى صباحها
وقلت هل طال نومها ؟
هل عطشت ألوان ورودها أثناء نومها الطويل ؟
أم أن نومها كان يستقبل الماء في الحلم
وتستقيه عروقُ غفوتها ؛
ينتشر في اللحم والنسوغ
حيث ذكرَ الخزافُ أن قطعة خزفية كهذه
لا تشوى على نار ، بل تبلل بماء قدسيّ
لتحمل صفاةً ثالوثية ؛
إذ يكون القول ( باسم الآب )
يفوح عطرٌ مخضَلٌّ إلهيّ
يشي بسر الأبوّة في صدرها
وإمّا يكون القول ( باسم الابن )
يذكر كيف وحامها به
وكيف صنَعَهَا فأحبَّها
وصار ابنا لها
فالخزّاف ليس أبا ، بل ابنا
لأم يسمّي ( باسمها ) .
* * *


-8-
…………………………
أيها الصدر الحنون لقد بلغ بي الفطام مبلغا من الشقاء
لا يحتمله قلب بشر
فمتى تذيبني الى حجم فوف وردة
وتضعني على إحدى هالتيك
لأكون أُخَيّاً لواحدة منهما
وصنوا للأخرى
يرضعنا معا ( فم آخر للماء )
حين يكون ذلك غير بمستطاع
لتوقي الخياليّ .
* * *


-9-
وضعت حبلا من الأنوار الخافتة في غرفتي الكونية
بعد أن أطفأت الشموس والنجوم
وقلت سأراقصك
مددت يدي اليمنى ووضعتها فوق كتفك
ألامس بها سواد شعرك
ترقص الدماء خلال أصابعي
وضعت كفي اليسرى على خصرك الأيمن
ضامّا بها أسفل ظهرك
رحت أرفع قدما وأحط أخرى
أتمايل . . . موسيقاي نار جسدك التي تتراقص في قلبي
رقص شبحٍ أو جنّيّ من لهب
الموسيقى تصخب
أنا أشعر بأن قوتي الهائلة سرت إلى كفّيّ وإلى قدميّ
كفٌّ تجنّ بلمس حرير شعرك
وكفٌّ تكاد تخرج منها بقايا روحي على دوار خصرك
الأرض تحس بوقع قدميّ الراقصتين ….
في داخلي صوت مكبوت يصيح : ألله حي
وفي سمع وجداني جرس يصلصل كأجنحة ملاك
يحوم فوقي في غرفتي الكونية
وصوت آخر بالكاد أسمعه يتأوّه قائلا :
آه . . إن خصري يتلاشي . . .
شَعري كأسلاك كهربائية دقيقة
يحمل ( ماسا ) من أطراف أناملك
هذا ما أطفأ الأنوار الخافتة وأشعل النجوم والشمس
لأرى كفّي تلامس الهواء
والأخرى تلامس اللاشيء
فوقعت جاثيا على ركبي
كما لو أنني أركع أمام ربٍ لا وجود له .
* * *


-10-
إن آلامي لأعمق من آلام ( فرتر )
بيني وبين مبعث الشوق مسافة
لا تحسب بالزمان ولا بالمكان
المكان جد قريب
الزمان جد أقرب
المسافة التي يتشاءم بها العقل وتعجز عنها الإرادة
لا يستطيع عاقل تصورها إلا إذا كان عاشقا مثلي
حيث يوقد النار ويلقي بها نفسه
ويولول صائحا :
رباه أريد السلام
لا سلام
لا سلام لمن كانت ناره صنع يديه
وآهاته تزيدها ضراما
كيف يأتي السلام بنار تحترق بذاتها ؟
عيني ترى . . . لكنها عمياء
قلبي يموت . . . لكن بسرعة دقاته
روحي تبخّرتْ
كما تتبخر كأس خمر على شفتين جمرتين
سكرتُ . . سكرتُ
صرت أرى بعينيّ . .
ألا شيء في هذا الكون عاقل ؟
ألا كائنات تحمل في أعماقها . .
الزوجيةَ أو الندَّ ؟
ألا ترى أنني مليء بآلاف الأزواج
زوج لا يشبهني
زوج لا يحبني
زوج لا يسكن قلبي
زوج لا ينبت في ترابي
زوج فقط يمد يده بالسلام
إنه زوجي الأثير
إنه الذي تأخر
إنه الذي إن سبقته يسبقني
إن قعدت يبتعد عني
إن لحقت به مد يده قائلا :
إنها دورة الحياة
أنت في ثلثيها
وأنا في ثلثها
إمّا أن تقف حتى أبلغك
وإمّا أن تعود إلى ثُلُثي
فنجتمع زوجين
زوج عاد إلى ثلثه الأول
وزوج يسير إلى ثلثه
وكلانا يعرف خطورة أن يجتمع ثلثان اكتملا بثلثين
اكتمل منهما واحد
قلت : أما من زمن بلا هذه الأثلاث
نتعرّى فيه من وقع العصر بثلاثيته
حاضرا ماضيا مستقبلا
فأشار بيده إلى دائرة وقال
أتعلم ما تشبه هذه الهالة
قلت : لها أشباه كثر إلا أنني
أعرف في خيالي هالة
مركزها ما أعيش بذاكرتي . .
إدمان توق لصليب ثغورها الثلاثة .
* * *


-11-
أيها اللاشيء
أيها الخيال
أيها الوهم
أنت يا أدوات الجنون
ومقومات هذا الشعر الملعون
أليس حري بكم أن تتركوا هذا الشاعر الرجيم
ليرتاح قليلا فقط
كاد منذ قليل أن يخرج من عقله
من جلده
من هواء يحيط بجسده
يخرجَ في الشارع صائحا
افسحوا لي الطريق
إن في سمعي
صلصلة أجراس تدق باستمرار
إذن قودوني إلى باب الكنيسة .
افتحي أبوابك لي أيتها ( الراهبة )
ضع كفك على عنقي أيها ( المحترم )
فأنت سبب هذا الخنق المطبق على حنجرتي
وإلا فضع كفك الرحيمة على صدري
قدني إلى المنارة
أستطيع أن ألف ذراعيّ حولها
أضمها بشوق
حتى تختلف أضلاعها بين يدي
إن كان ضمّي لها سيزعزع بنيانها
فتتساقط على رأسي
لا بأس . . سأجعل من نبض قلبي جرسا لكم .
* * *
-12-
*********
****
-13-
ألم
صراخ
فرح
* * *
نعش
أقدام
فوَّهَة
* * *
طريق
ضياع
بكاء
* * *
عين
أفق
عماء
* * *
حلم
يقظة
نسيان
* * *
حب
شوق
موت
* * *
عويل
حريق
حطب
* * *
شهوة
هاوية
خيبة
* * *
ضجر
جنون
عجز
* * *
سيجارة
فراق
وحدة
* * *
كفاني
أسمال تلك الكلمات البالية
كفاني كل ستر
لقد أثقلت جسدي
قلبي
روحي
كل هذه الخيم التي تمنع الشمس
من أن تصل إلى دمي
تمنع النجوم من أن تعفّر بأنوارها
نعومة واجهة أعماقي
كفاني
لتذهب إلى جهنم كل الأستار
إلى الهاوية . .
إلى الجحيم
إلى عالم الشياطين السفلي أو الفوقي
لا فرق
ليضمر الكون كله
ويصير كشتبانا أضعه بإصبعي
وأغرز الإبر في كل مسامة من مسامات جسدي
لأبعث برسالة خاصة من خلال الإبر
إلى كل حاسة من أحاسيسي
وأرشق ما تبقى من إبر في فمي وفي عيوني
وفي أي مكان آخر جلب عليّ مصائب سأملأ فاه بالإبر
حتى وإن كان …………..
لم يعد بوسعي أن أعيش بإحساس أصبع واحد في كشتبان
وإن رضي العالم أن يكون كشتبانا .
حين أغرز به أطراف الإبر
أشعر بآلام الإبر أكثر مما أشعر
بالأماكن التي التي غُرزت فيها
يا آلهة التقمّص ! ! . .
هل من إبرة واحدة تليق بمكمن روحي
أغرزها فيه
فتثبِّت روحي في جسدي
ويموتان معاًَ . . .


-14-
الجحيم أن تعرفوني
أمّي رأتْ في نومها أنَّ الضياءَ يفورُ من تنّورها ، وأبي رأى أن السلالمَ اتّحادٌ بالصعودِ ، فأشعلا في ليلةٍ حمراءَ دفقَ الماء فيما بين صلبٍ والترائب .
هي ليلةٌ حمراء تشبهني قبيل تشكّلي جسداً من الفخّار ، تُشبهُ جسميَ الذرّيَّ حين النفْـسُ راودها سؤالٌ : ( من أنا ) وتجيبُهُ : يا غيبُ أنتَ الأنتَ لكنْ لا إلهَ سوى الأنا . وأحيطَ بي خيطاً من الذرّاتِ ممدوداً لتلك الليلة الحمراء ، يتَّسعُ الظلامُ ، تلقَّفتْني _ من شعورهما _ خليّةُ شهوةٍ ، سمّيتُ نفسي باسمها ، اتّسعَ الظلامُ وراح يبتلعُ الوحامَ بـ ( هاء ) إسمي ثمّ سوّاني ، فكان الشينُ محضَ ضلوعِهِ ، وشهيّتي الألِفُ الذي ضلّ السبيل ، الراءُ ريحُ غواية التفّاحِ ، ريحُ الطينِ ، رائحةُ العجينِ ، وما تضوّعَ من صدور المرسلات ، ومن مثلّثِ حوض حوّاءَ ، الخطى في الراءِ أبعدَ ، مثل دائرةٍ ومركزُها شعورٌ بالخدَر .
***
خدري . . انتميتُ لكلِّ أمٍّ بعد أمِّي ، والحصى ما زال يسألُ عَدَّهُ كم ليلة أطفأتُ بعد أبي . . وأمعنَ في السفَر .
***


-15-
حائط ذاكرتي
جاء الشِّعرُ مساءً . .
وأنا وحدي . .
حائطُ ذاكرتي مطليٌّ بالنسيان
لم يلمحْ غير مساميرٍ وغبارا وأماكن لإطارات
فقصائدُ خُلعتْ
أطيافٌ تحت رطوبة وهمي تتبلَّل
وتعذَّبتُ كثيرا من كل الصور المرسومة
في محض ملفّ . .
ويعاتبني الشِّعرُ بيأسٍ يشبه يأسي :
من كنتَ تخاطبُ ؟
أين حريقُك ؟
أين بكاؤك ؟
أين جنونُكَ إذ يُفترضُ العقلُ ؟
وأينَ تواطؤ صبركَ مع بعض الوقت ؟
وأينَ رحيلك في فُلْكِ خيالك في بحر الأسماء ؟
غرقتْ فلْكيَ والأسماءُ جميعاً لم تغرقْ
والفلكُ تحطَّمَ في لججِ المحتوم
هذا طيفُ ذراعٍ يتشبَّثُ في لوحٍ مكسور .
منذ طفولة إسمي أعرف
أن له أطيافا تتشبّثُ باليأس المحطوم
أسماءٌ ما خبرتْ أن تتبلَّلَ
ما خبرتْ أن تغرقَ
ما عرفت غير ضحالة ماء الموت
ما خبرتْ ظلَّ سراب في البيداء
يا إسميَ !
هل ترضى أن تجعلني (( بحّارَ اليابسةِ )) . . الصحراء ؟
احملْ يا شعرُ ! قصائدَ خاطبتُ الأسماءَ بها
وخلقتُ لها أجساماً من لهبٍ . . وقبستُ دخاناً
أعميتُ به شهوات الماء
ويعاتبني الشِّعرُ
لعلّي إنْ عاتبني أبكي
وأنا بعد خوائي أضحكُ
فكأنَّ شعوري مشفىً للأمراض النفسية
وفمي من يهربُ من أسلاكِ جنوني في الطرقات
دعني لا أرجع
لا أسجنُ ذاتي في سور الكلمات
حافية روحي في أعماقي
إذ تمشي في حائط ذاكرتي
تنتعلُ غباراً
ومساميراً كانت قبل الصدأِ الأعمى
تحمل صوراً للأهواء .


***
-17-
فوجئتُ أنَّ الريحَ ذاكرتي وتبكيني صفيرا كلّما افتتحوا دفاترها على رأسِ السنة .
فوجئتُ أنَّ الموتَ زرعني في أرض قفراء تحت الشمس ، نموت بجذع وحيد نحو السماء مددت غصونا ، أخرجت منها براعم ، عيونا ، تطلع في كل الاتجاهات ، كل ما حولي كان فراغا ، وأفقا من اللاشئ ، لا السماء قريبة نهارا ولا النجوم تألفني ليلا ، وهذا الفراغ كان ينظرإلي بضجر ، الأرض التي زرعني بها قطعة بور في أرض جرداء ، لاتحتوي إلا على تراب ، تغطيها الحصى والحجارة ، في هذا المكان الساكن حتى الأشباح لم تكن موجودة ، حتى الأرواح ليس لها طريق عليه ، إن نمت فليس لإن الليل استدعى النعاس ، وليس لإن النهار زاول القيلولة ، بل لإن الملل من تحديقي في الفراغ قد أتعب عيني ، فاسترختا جفنا على جفن كعادة النائمين ، وربما كان هذا لايعدو كونه هروبا من فراغ في البصر إلى فراغ في الأعماق ، وكثيرا ما كان يخطر ببالي كشجرة غريبة في مكان غريب ، مَنْ ذاك الذي اقترف زرعي في هذه الأرض المنفية عن المطر وعن الينابيع وعن الطلِّ أيضا ؟ .
ثم مع هذه القطيعة مع أود الحياة ، كيف استطعت أن أشبِّث جذوري في الأرض
وأن أفلع التراب وأنمو جذعا وحيدا ، وأن أملأ أغصاني براعمَ ، عيونا ، ترى هذا الفراغ ؟ .
وفكرتُ . . أن أتراجع من آخر ما وصلت إليه أغصاني طولا ، وبراعمي نظرا وأعود داخلا تدريجيا في ذاتي إلى جذعي ، ومن جذعي إلى جذوري إلى أصل البذرة وكان لي هذا إلا أن شعيرات جذوري لم تعد إلى أصل البذرة :
لإنها امتدت في تراب يحمل في ذاكرته شعور الماء .
* * *


-18-
هذا أوذاك الطفل أحب ونسي ، ونسي فأحب ، التقى بأنثى مرة واحدة ، والتقى بالحب مئات المرات ،
فاطمة اسم
ليلى اسم
سلوى اسم
ريم اسم
فكرية اسم
أحمد اسم
ووعاد اسم
نفيسة اسم
رشا اسم
منى اسم
عاد اسم
صولانج اسم
والانثى مئات في واحدة ، وأنا أمحو الأسماء وأتذكر أنثى واحدة لا غير
هكذا فكأني في إحصائي أملأ صفحاتي بالأسماء ، وأكتب عنوانا على الغلاف :
أحب ذاتي الأنثى ، فإذا شئتِ أن تتسمَّي فتسمَّي ذاتي .
* * *
-19-
عاتبني القمر قائلا :
ما صرت قمرا إلا لأنّي أحببت النجوم ، نجمة نجمة بمشاعر ليلية متقلبة
تشبه حالات ظهوري خلال أيام الشهر ، وأحبُّ حالاتي إلى نجمة تحبّني
فوق ما تحبني كل النجوم ، هي حالتي في المحاق .
* * *
-20-
دون أن أشعر دخل شهر أيار ، ليؤكد أنني ما زلت في الربيع
( الزبداني ) عروس تتمشط على حافة نهرها ، والجبال تمسك خصل الشعر لتظفره جدائل ، وترميه على كتفيها ، إن كنت لا أعيش الفصول في مشاعري ، فهذا الربيع لا يعني سوى جلد حرباء .
* * *
-21-
ماذا يمكن أن يقدم شاعر غير الكلمات ، بالكلمة ابتدأ الكون ، وبالكلمة عرف الله
وبالكلمة قلت أحبك ولكنك لا تجيدين القراءة .
* * *
-22-
خانتني الجرأة وربما خانني العمر ، ولكن الكلمة لا تخونني ، فإذا رأيتِـها على سطر أو في قصيدة ، فاهمليها لأنها ضلت طريقها .
* * *
-23-
أمس بعد أن أخافني الليل ، من أن أظل تائها وحيدا ،
سألته : أيها الليل ! كيف لشاعر أن يحب امرأة ؟
ولتصدّقه . . . فذكرني بالبكاء ،
إذن يا حبيبتي أنا أبكي كلما أكتب كلمة
فإن كنت تأخذين بكائي على محمل الجد
فقلبي يبكي وروحي تبكي وكلماتي تبكي
وإن كنت تعتبرين بكائي شعرا ، فهاتي أطراف أصابعك وامسحي الدموع
عن خديّ الكلمات .
* * *

الأحد، 19 يوليو 2009

الأسماء






أدونيس :


إلهٌ انبعثَ من الأرض ،


دون إذن من ( زيوس )


وما عاد بإمكان أي


خنزيرٍ أن يقتلَهُ .


أنبئوا عشتارَ أن تواصلَ البكاء ،


لأنَّ أدونيسَ يُسَبِّحُ ذاتَه ،


بحياةٍ تقتلها الخنازير .


* * *


أحمد عبد المعطي حجازي :


مدينتُه بالرغم


أنّها بلا قلب ،


إلا أنَّها غدتْ في كلِّ قلب


* * *


نزيه أبو عفَش :


يَذُرُّنا إلى الموتِ


ـ مزوَّدين بالعَرَقِ ـ


لِيَقُوم :


أسطورةً من الثلجِ ،


تُمِدُّ مَنْ حَولَ الخِوانِ


بفعلها الساحر في الكؤوس .


***

محمد بنِّيس :


أنت ملحمةُ النهرُ


ألا فالتحم بالسحاب ،


إنَّ ورقَ البهاء أبيض ،


وإِن لم يُقرأ في الشرق ،


فإنَّه برجْلٍ واحدة .


* * *


عبد القادر الحصني :


إنِ استمرَّ في هذا الصعود ،


من حقِّ كل الشعراء ،


أن يأخذوا سيفاً من كلِّ قبيلةٍ


ويأتَمروا به ،


ليقتلوه .


أعتقدُ أنَّه سيضعُ على رؤوسهم


التراب ،


و ينامُ في الأيقونة

الجمعة، 24 أبريل 2009

ذيب الشلايا


من ديوان ذيب الشلايا
في أواخر الشهر الأوَّل من عمري ، وضعتُ مكاني في الملفَّة نصفَ لبنة ، وانسحبتُ أراقب أمِّي ، هل ستكتشف ذلك ؟ لكنَّ أمّي من شدّةِ التعب لم تستيقظ ، لا بل بتلقائيةٍ فكَّت أزرار صدرها ووضعت الثدي في نصف اللبنة الذي ما يزال ليِّناً لحداثةِ صنعهِ ، وبين غبطتي لنجاح خطتي وخوفي من فشلها ، دنوتُ من نصف اللبنة الذي دسستُهُ مكاني في الملفَّة لأجد أن نصفَ ثدي أمّي غارقٌ في نصف اللبنة الطريّ والحليب لغزارتهِ يفيض من جانبيه العلويّين ، وكأن الثدي فتح فماً منحنياً في نصف اللبنة وراح يرضعه أو أنَّ نصف اللبنة اللدن انساح طينهُ بحرارة الثدي ودفق الحليب .اطمأننتُ لهذه الحالة الحميميّة بين أمِّي النائمة ونصف اللبنة ومضيتُ إلى الحوش وضعتُ الحبلَ والفأسَ على ظهر الحمارة وخرجتُ لأحتطب .* * *في البريّة كانت شجيرات الشيح ترجوني بأن لا أهوي على جذورها بفأسي ، وشجيرات شنان السوح يقلنَ لي : اقتطع منّا ما شئت علَّنا نشتمّ رائحة الخبز من خلال تنّوركم .مسكينةٌ حمارتُنا لقد بالت على فخذيها لثقلِ ما حمَّلْتُها وعند أوَّل مخاضةٍ غسلت ساقيها بصابون القاق ، حتى شعرتُ أنَّها شكرتني بمشاعر أصيلة (( لا أحب أن تتخلَّى الحمارة عن طبيعتها وتكلِّمني كما تكلِّمني جارتنا )) فسأقول إنَّها شكرتني بصمت .أمَّا الشجيراتُ وكيف حادثنني فهذه من أسرار النطق ، إذْ قبل أنْ يصبح الإنسان ناطقاً ، كانت لغتُه الفطريّةُ الصمتَ وبهذه اللغة كان يحكي مع كائنات الوجود الصامتة مثله .وأنا ؟ . . كأنَّكم نسيتم . . ألم أخبركم أن عمري لم يتجاوز الشهرَ الأوَّل بعد عدتُ إلى دارنا _ وكانت الشمسُ قد بدأتْ تكثح الليلَ برمادها المتوهج _ وعند العتبةِ رأيتُ قواماً طينيّاً خارجاً يشبه نصف اللبنة ولكن يكاد يلامسُ نجف الباب لطوله . وكنتُ متوجِّهاً إلى حيثُ ملفـَّتي التي وجدتها قد تمزَّقت من كلِّ أطرافهابجانب أمِّي التي ما تزال نائمة وآثار طين رطب يغطِّي نصفَ ثديها .وكم احتقرتُ غبائي الإنسانيّ .لقد صار نصف اللبنة رجلاً بقوام جدار من ليلةٍ واحدة .وأنا ما زلتُ في الشهر الأوَّلِ من عمري ، وسأبقى ملتصقاً بثديٍ جافّ ،ثديٍ خانَهُ فمي ،إلى أن يُوضعَ نصفُ لبنةٍ مغروزاً في الجهةِ الغربيّة من التراب الملموم ،فوق رأسي تماماً ، حينما لا يكون بمقدوري تمزيق ملفَّتي البيضاء ؛البيضاء بلون الحليب ؛الحليب الذي استأثرَ بهِ نصفُ اللبنة بنصف ليلة فقط .

مائيل في وحامه الكنعاني






مائيل : ملَك ظلَّ بلا اسمٍ حتى عثر عليّ فرجاني أن أبوح له باسمهفكشفتُ له ينبوع الأسامي ومنحته اسمه فصاح صيحة سمعها من في السمواتِ ومن في الأرض وردَّدوها وراءه ماااااء..,.إيل ، وبالطبع لم يرددها أحد من بني جلدتي لأنهم لا يسمعون أصوات الملائكة أوّل تسميتهم !.
عاد: امرأة . . آية من الآيات المتشابهات ، بسملتها من الشام ، متنها من العروبة ، رحمها من فلسطين ، دمها من الجلجلة ، وروحها محكمة بالإنسانيّة
"قلتُ يا عاد شربنا خمر قانا
جبليا... واضطجعنا عند جذرٍ
كان (مائيل) ينادينا اكمأوا
كمأة العذراء من فيض نبيذ
وعبرنا عبرة الأبكار .."